ابن الجوزي

38

صفة الصفوة

له ذلك وأنا أرى أن عنده شيئا ؛ إلا الجزع . فثنى وركه ثم نزل فأهوى بعقبه إلى الأرض فإذا بالماء فقال : « أشرب يا عم » فشربت . وعن ابن عباس قال : أول شيء رأى النبي صلّى اللّه عليه وسلم من النبوة أن قيل له استتر ، وهو غلام ، فما رئيت عورته من يومئذ . وقالت برّه بنت أبي تجرأة : لما ابتدأه اللّه تعالى بالنبوّة كان إذا خرج لحاجته أبعد حتى لا يرى بيتا ويفضي إلى الشعاب وبطون الأودية ، فلا يمر بحجر ولا شجرة إلا قال : « السلام عليك يا رسول اللّه » فكان يلتفت عن يمينه وشماله وخلفه فلا يرى أحدا . وعن جابر بن سمرة « 1 » قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلّم عليّ قبل أن أبعث . إني لأعرفه الآن ( رواه الإمام أحمد ) وانفرد بإخراجه مسلم « 2 » . فصل فلما بلغ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم خمسا وثلاثين سنة شهد بنيان الكعبة وتراضت قريش بحكمه فيها ، وكانوا قد اختلفوا فيمن يضع الحجر ، فاتفقوا على أن يحكم بينهم أول داخل يدخل المسجد فدخل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فقالوا : هذا الأمين ، فقال : هلمّوا ثوبا ، فوضع الحجر فيه وقال : لتأخذ كل قبيلة بناحية من نواحيه وارفعوه جميعا ، ثم أخذ الحجر بيده فوضعه في مكانه . فلما أتت له أربعون سنة ويوم بعثه اللّه عزّ وجل وذلك في يوم الاثنين .

--> ( 1 ) هو جابر بن سمرة السوائي الصحابي ، توفي سنة ست وستين للهجرة وقيل سنة أربع وستين وكان أبوه صحابيا أيضا . ( انظر شذرات الذهب ص 74 ج 1 ) . ( 2 ) أخرجه مسلم في باب تسليم الحجر عليه قبل النبوة .